ابن أبي الحديد
326
شرح نهج البلاغة
قال : وذلك أن شيخنا أبا على ( 1 ) رحمه الله تعالى قد قال : لو كانت هذه الاحداث مما توجب طعنا على الحقيقة ، لوجب من الوقت الذي ظهر ذلك من حاله أن يطلب المسلمون رجلا ينصب للإمامة وأن يكون ظهور ذلك عن عثمان كموته ، فإنه لا خلاف أنه متى ظهر من الامام ما يوجب خلعه ، أن الواجب على المسلمين إقامة إمام سواه ، فلما علمنا أن طلبهم لإقامة إمام إنما كان بعد قتله ، ولم يكن من قبل والتمكن قائم ، علمنا بطلان ما أضيف إليه من الاحداث . قال : وليس لأحد أن يقول : إنهم لم يتمكنوا من ذلك ، لان المتعالم من حالهم أنهم حصروه ومنعوه من التمكن من نفسه ، ومن التصرف في سلطانه ، خصوصا والخصوم يدعون أن الجميع كانوا على قول واحد في خلعه والبراءة منه . قال : ومعلوم من حال هذه الاحداث أنها لم تحصل أجمع في الأيام التي حوصر فيها وقتل ، بل كانت تحصل من قبل حالا بعد حال ، فلو كان ذلك يوجب الخلع والبراءة لما تأخر من المسلمين الانكار عليه ، ولكان كبار الصحابة المقيمون بالمدينة أولى بذلك من الواردين من البلاد ، لان أهل العلم والفضل بإنكار ذلك أحق من غيرهم . قال : فقد كان يجب على طريقتهم أن تحصل البراءة والخلع من أول الوقت الذي حصل منه ما أوجب ذلك ، وألا ينتظر حصول غيره من الاحداث ، لأنه لو وجب انتظار ذلك لم ينته إلى حد إلا وينتظر غيره . ثم ذكر أن إمساكهم عن ذلك إذا تيقنوا الاحداث منه يوجب نسبة الجميع إلى الخطا والضلال . ولا يمكنهم أن يقولوا : أن علمهم بذلك إنما حصل في الوقت الذي حصر ومنع ، لان من جملة الاحداث التي يذكرونها ما تقدم عن هذه الحال ، بل كلها أو جلها تقدم هذا الوقت ، وإنما يمكنهم أن يتعلقوا فيما حدث في هذا الوقت بما يذكرونه من
--> ( 1 ) هو محد بن عبد الوهاب الجبائي ، شيخ المعتزلة . توفى سنة 303 . شذرات الذهب 2 : 241 .